محمد جمال الدين القاسمي

49

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقال الحافظ ابن كثير : استدل على المالكية الجمهور بهذا الحديث . وفي ذلك نظر . لأنه قضية عين . ويحتمل أن يكون شحما يعتقدون حله ، كشحم الظهر والحوايا ونحوهما . واللّه أعلم . وأجود منه في الدلالة ما ثبت في ( الصحيح ) « 1 » أن أهل خيبر أهدوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شاة مصلية . وقد سموّا ذراعها - وكان يعجبه الذراع - فتناوله فنهش منه نهشة . فأخبره الذراع أنه مسموم ، فلفظه وأثّر ذلك في ثنايا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفي أبهره . وأكل معه منها بشر بن البراء بن معرور ، فمات . فقتل اليهودية التي سمّتها ، وكان اسمها زينب . ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه ، ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا ؟ وفي الحديث الآخر : « إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أضافه يهوديّ على خبز شعير وإهالة سنخة . يعني ودكا زنخا » . الثالث : تمسك ابن العربيّ - من أئمة المالكية - بهذه الآية على حلّ ما يقتله الفرنج ، وإن رأينا ذلك ، لأنه من طعامهم . نقله عنه الشيخ خليل في ( توضيحه ) واستبعده . وقال الإمام ابن زكري : صنف ابن العربيّ في إباحة مذكّى النصرانيّ بغير وجه ذكاتنا . والمحققون على تحريمه . وقد أوضح ذلك الفقيه محمد الدليميّ السوسيّ المالكيّ في ( فتاويه ) ، وقد سئل عن ذبيحه الكتابيّ : هل تحل المذكّى كيف كانت . سواء وافقت ذكاتنا أم لا ؟ بقوله مجيبا : قال الإمام ابن العربيّ : إذا سلّ النصرانيّ عنق دجاجة حلّ للمسلم أكلها . لأن اللّه تعالى أحلّ لنا أكل طعامهم الذي يستحلونه في دينهم . وكل ما ذكوه على مقتضى دينهم ، حل لنا أكله . ولا يشترط

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الجزية والموادعة مع أهل الحرب ، 7 - باب إذا غدر المشركون بالمسلمين ، هل يعفى عنهم ؟ حديث 2498 ونصه : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما فتحت خيبر ، أهديت للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم شاة فيها سمّ . فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « أجمعوا إليّ من كان هاهنا من يهود » فجمعوا له . فقال : « إني سائلكم عن شيء . فهل أنتم صادقيّ عنه » ؟ فقالوا : نعم . قال لهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « من أبوكم » ؟ قالوا : فلان . فقال « كذبتم ، بل أبوكم فلان » قالوا : صدقت . قال « فهل أنتم صادقيّ عن شيء ، إن سألت عنه » ؟ فقالوا : نعم . يا أبا القاسم ! وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا . فقال لهم « من أهل النار » ؟ قالوا : نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها . فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « اخسئوا فيها . والله ! لا نخلفكم فيها أبدا » ثم قال « فهل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه » ؟ فقالوا : نعم . يا أبا القاسم ! قال « هل جعلتم في هذه الشاة سمّا » ؟ قالوا : نعم . قال « ما حملكم على ذلك » ؟ قالوا : أردنا إن كنت كاذبا نستريح . وإن كنت نبيّا لم يضرك . وأخرجه أبو داود ، بمعناه ، في : الديات ، 6 - باب فيمن سقى رجلا سمّا أو أطعمه ، فمات ، هل يقاد منه ؟ حديث 4508 عن أنس و 4509 وعن أبي هريرة ، حديث 4510 و 4511 و 4512 .